الحكم إذا علق على المظنة لا يعتبر حقيقة الحكمة، بل هو مجرد دليل أو أمارة عليها؛ بمعنى أن الحكم الشرعي قد يُبنى على أمر ظاهر يُظن أنه يدل على الحكمة المقصودة، حتى لو لم تكن هذه الحكمة متحققة في كل حالة على حدة؛ فنقول بمعنى أوضح: أن الحكم إذا علق على المظنة، -أي بناءً على ما يُظَنّ أو يُتَوَقَّع وجوده-، لا على الحكمة أو علة الحكم الفعلية، وهذا يعني أن الحكم قد يثبت بمجرد وجود المظنة، حتى لو لم تتحقق الحكمة أو العلة التي بني عليها الحكم في الواقع.
شرح العبارة:
المظنة:
هي الأمر الظاهر الذي يُظن أنه يدل على علة الحكم أو غايته، أي على الحكمة من تشريعه.
أو هي الشيء الذي يُظَنّ وجوده أو يُتَوقَّع تحققه.
الحكمة:
هي الغاية أو المصلحة التي شرع الحكم لأجلها.
أو هي العلة أو السبب الحقيقي الذي من أجله شُرِعَ الحكم.
التعليل بالمظنة:
هو بناء الحكم على المظنة الظاهرة، حتى لو لم تتحقق الحكمة في كل حالة.
التعليل بالحكمة:
هو بناء الحكم على الحكمة نفسها، وهذا هو الأصل في التشريع.
أو هو بناء الحكم على وجود الحكمة أو العلة.
أمثلة على التعليل بالمظنة:
الجمعة:
الحكم بالصلاة في المسجد يوم الجمعة مبني على مظنة سماع الأذان، حتى لو لم يسمعه البعض بسبب بعد المسافة أو وجود مانع، كما جاء في شرح منتهى الإرادات.
السفر:
قصر الصلاة في السفر مبني على مشقة السفر، ولكن قد يجد المسافر مشقة في الحضر ولا يُرخص له بقصر الصلاة، لأن المشقة في السفر مظنة، بينما المشقة في الحضر غير مظنة.
العدة:
العدة للمرأة بعد الطلاق أو وفاة الزوج مبنية على استبراء الرحم، ولكن قد تكون المرأة يائسة أو صغيرة ولا تحتاج إلى استبراء، ومع ذلك تجب عليها العدة لأنها مظنة استبراء الرحم.
أهمية القاعدة:
الضبط واليسر:
بناء الأحكام على المظنات يسهل على الناس معرفة الأحكام وتطبيقها، ويمنع من الاضطراب في الأحكام بسبب اختلاف تقدير الحكمة من شخص لآخر.
رفع الحرج:
يهدف التعليل بالمظنة إلى تسهيل الأحكام ورفع الحرج عن الناس، حيث لا يشترط تحقق الحكمة في كل حالة.
قطع النزاع وسد باب الخلاف:
في كثير من الأحيان، يكون من الصعب تحديد الحكمة من الحكم بشكل دقيق، وبناء الأحكام على المظنات يقطع النزاع ويوفر مرجعاً واضحاً للجميع.
الاحتياط:
في بعض الحالات، قد يكون من الصعب معرفة الحكمة بشكل قاطع، فبناء الأحكام على المظنات فيه جانب من الاحتياط للمصلحة؛ فيُعتبر التعليل بالمظنة من مظاهر الضبط والاحتياط في الأحكام الشرعية، حيث يُبنى الحكم على ما هو أغلب وأكثر ظنّاً.
الفرق بين التعليل بالمظنة والتعليل بالحكمة:
في التعليل بالحكمة، يُنظر إلى العلة الحقيقية للحكم ويُبنى الحكم عليها، بينما في التعليل بالمظنة، يُبنى الحكم على المظنة أو ما يُظَنّ وجوده.
التعليل بالحكمة قد يكون أشد دقة وأكثر تحقيقاً للعدالة، لكن التعليل بالمظنة قد يكون أيسر وأكثر تطبيقاً.
التعليل بالمظنة قد يؤدي إلى بعض التجاوزات في بعض الحالات، ولكن في المقابل يساهم في تحقيق التيسير والضبط.
الخلاصة:
القاعدة الشرعية "الحكم إذا علق على المظنة لا يعتبر حقيقة الحكمة" تعني أن الأحكام الشرعية قد تُبنى على أمور ظاهرة يُظن أنها تدل على الحكمة، حتى لو لم تكن الحكمة متحققة في كل حالة. وهذا الضابط يهدف إلى تحقيق الضبط واليسر وقطع النزاع في الأحكام الشرعية، ويدخل فيه جانب من الاحتياط للمصلحة.
تعليقات
إرسال تعليق