مفهوم اللقب عند الأصوليين
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فمن المباحث الأصولية المهمة التي تناولها العلماء في مبحث المفاهيم: مفهوم اللقب، إذ يكثر ورود الألفاظ في النصوص الشرعية مقترنةً بالأحكام، فهل يفيد تخصيصها ونفي الحكم عما عداها، أم لا؟ هذه الدراسة تسلّط الضوء على حقيقة مفهوم اللقب، وأقوال الأصوليين فيه، وأدلتهم، ثم الترجيح.
المبحث الأول: تعريف مفهوم اللقب
- اللقب لغةً: الاسم الذي يُعرف به الشيء.
- واصطلاحًا عند الأصوليين: هو إسناد الحكم إلى اسم جامد خالٍ من الوصفية والتعليل، كالأعلام مثاله: قولك "أكرم زيدًا"، فزيد اسم جامد. والأجناس مثاله: قولك "توضأ بالماء"، فجنس الماء اسم جامد هل يفهم منه عدم الوضوء بغير الماء والمصدر مثاله: قولك لابنك "احرص على العلم"، فالعلم مصدر من علم يعلم وهو اسم جامد هل يفهم منه عدم الحرص على غيره.
- ومفهوم المخالفة كما سبق هو محل الخلاف.
المبحث الثاني: أقوال الأصوليين
القول الأول: أن اللقب لا مفهوم له
وهو مذهب جمهور الأصوليين:
- من الحنفية: البزدوي، السرخسي.
- من الشافعية: إمام الحرمين الجويني، الغزالي، الآمدي.
- من الحنابلة: ابن قدامة في روضة الناظر، ابن مفلح والطوفي والقطيعي.
- من المالكية: القرافي، الشاطبي.
القول الثاني: أن اللقب له مفهوم
وهو قول قلة من المالكية وغيرهم:
- نُقل عن بعض المتأخرين من المالكية، كالبهلولي.
- ونُسب أيضًا لبعض الشافعية،(وهو قول الدقاق الشافعي ونافح عنه) لكنه قول شاذ.
- وهو المعتمد في مذهب الحنابلة عزاه المرداوي في التحبير وخصه شيخ الإسلام ابن تيمية باسم الجنس، دون غيره.
المبحث الثالث: أدلة الفريقين
أدلة الجمهور (القول بعدم المفهوم)
- أن اللقب مجرد تعريف لمحل الحكم، ولا يتضمن معنى يصلح أن يكون علة.
- فقولنا "أكرم زيدًا" لا يدل على نفي إكرام غيره، بل هو مجرد بيان.
- الأصل في الكلام عدم المفهوم إلا بقرينة، وإلا للزم أن كل اسم مذكور يقتضي نفي الحكم عما عداه، وهو باطل.
- النصوص الشرعية: وردت أحكام مقترنة بأسماء معينة، ثم ثبت الحكم لغيرها بدليل آخر.
- مثال: قوله ﷺ: «في سائمة الغنم الزكاة»، ثم ثبتت الزكاة في الإبل والبقر أيضًا. ولو كان للقب مفهوم، لما ثبتت إلا في الغنم.
أدلة من قال بإثبات المفهوم
- الاقتصار على المذكور يفيد الحصر عرفًا، إذ لو كان الحكم لغيره لذكره المتكلم.
- الخطاب التشريعي جاء للبيان، فذكر الاسم يدل على تخصيص الحكم به.
المبحث الرابع: الترجيح
بعد النظر في الأدلة يتبين أن:
- ما استدل به مثبتو مفهوم اللقب لا ينهض لمعارضة ما ذكره الجمهور، إذ مجرد ذكر الاسم لا يقتضي التخصيص إلا بدليل.
- وعليه، فالراجح هو مذهب الجمهور: أن اللقب لا مفهوم له، بل هو مجرد بيان لمحل الحكم.
- ويحسن أن ننبه هنا تنبيه مهم وهو: مع رمي القول باعتبار مفهوم اللقب بالشذوذ والتهوين منه إلا أن الجويني مع قوله بعدم اعتبار مفهوم اللقب له رأي ثاني حيث قال:(قد سفه علماء الأصول هذا الرجل في مصيره إلى أن الألقاب إذا خصصت بالذكر تضمن تخصيصها نفي ما عداها وقالوا: هذا خروج عن حكم اللسان وانسلال عن تفاوض أرباب وتفاهمهم فإن من قال رأيت زيدا لم يقتض ذلك إنه لم ير غيره قطعا، وعندي أن المبالغة في الرد عليه سرف ونحن نوضح الحق الذي هو ختام الكلام قائلين لا يظن بذي العقل الذي لا ينحرف عن سنن الصواب أن يخصص بالذكر ملقبا من غير غرض وإذا رأى الرائي طائفة والخبر عن رؤية جميعهم عنده مستو لاتفاوت فيه وهو في سماع من يسمع كذلك فلا يحسن أن يقول والحالة هذه رأيت فلانا فينص على واحد من المرئيين نعم إن ظهر غرض في أن المذكور في جملة من راه فقد ظهر عند المتكلم فائدة خاصة يفيدها السامع فإذ ذاك يحسن تخصيصه بالذكر ولا خفاء بذلك، فإن قيل: [هذا] الذي ذكرتموه ميل إلى مذهب الدقاق قلنا: الذي نراه أن التخصيص باللقب يتضمن غرضا مبهما كما أشرنا إليه ولا يتضمن انتفاء ما عدا، المذكور واللفظ في نفسه ليس متضمنا نفى ما عدا المذكور بل وضع الكلام إذا رد الأمر إلى المقصود يقتضي اختصاص المذكور بغرض ما للمتكلم والصفة المناسبة في وضعها تقتضي نفي الحكم عند انتفاء الصفة فظهر القول بمفهوم الصفة وظهر اقتضاء التخصيص باللقب غرضا مبهما فإنا نقول وراء ذلك لا يجوز أن يكون من غرض المتكلم في التخصيص نفى ما عدا المسمى يلقبه فإن الإنسان لا يقول رأيت زيدا وهو يريد الإشعار بأنه لم ير غيره فإن هو أراد ذاك قال إنما رأيت زيدا وما رأيت إلا زيدا فاستبان بمجموع ذلك أن تخصيص الملقب بالذكر ليس يخلو عن فائدة هي غرض للمتكلم منها حكاية الحال وإن بلغنا الكلام مرسلا اعتقدنا غرضا مبهما ولم نر انتفاء غير المسمى من فوائد التخصيص، ومن تمام الكلام فيه أن متكلفا لو فرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: في عفر الغنم الزكاة فهذا عندنا لا مفهوم له وهو كالمخصوص بلقبه ولكن يبعد من الرسول صلى الله عليه وسلم النطق بمثله وليس من الحزم أن يفرض من الشارع كلام لغو ويتعب في طلب فائدته فقد بان الآن مراتب العلماء. فقد صار قوم إلى إبطال المفهوم وهذا ذهول عن فائدة الكلام وصار قوم إلى أن لكل تخصيص مفهوما كالدقاق وهذا الرجل ابتدر أمرا لا ينكر وهو أن العاقل لا يخصص مذكورا هزلا وليس كل الغرض موقوفا على نفي ما عدا المسمى)
لذلك تجد أن الطوفي تفطن لذلك وألمح له فقال:(الأشبه الذي تسكن النفس إليه أنه ليس بحجة، وأنه في المفهومات كالحديث الضعيف في المنطوقات، والقياس الشبهي في الأقيسة)
واختصر ذلك الزركشي فقال:(والتحقيق أن يقال: إنه ليس بحجة، إذا لم يوجد فيه رائحة التعليل)
الخاتمة
- مفهوم اللقب: هو إسناد الحكم إلى اسم جامد.
- اختلف الأصوليون فيه على قولين:
- لا مفهوم له: وهو قول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة وكثير من المالكية.
- له مفهوم: وهو قول لبعض المالكية وقلة من الشافعية.
- الراجح: أن اللقب لا مفهوم له؛ لأن ذكر الاسم لا يقتضي نفي الحكم عما عداه.
والله أعلم.
تعليقات
إرسال تعليق