الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين
أما بعد؛
فقد اطلعني أحد الأخوة على بحث بحث فيه محاولة لتضعيف حديث جرير رضي الله عنه في الجلوس للتعزية
فشمرت في الرد عليه ولكن وقفت على بحث لأخينا أبو أنس مليحان العوني وهذا البحث وجدت قد كفا و وفا ولخصته وركبته على الرد
فما كان بين قوسين⏪⏩ فهو من كلام أبو أنس بتصرف يسير وما سواه
فهو من كلام المضعف
يقول المضعف:
الراجح فيه أنه ضعيف ، فقد أعله الإمام أحمد ، والدراقطني.
فهذا الاثر رواه أحمد بن منيع في "مسنده" ، وابن ماجه في "السنن" (1612) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (2/307) من طريق هُشيم عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس ، عن جرير به .
وهذا سند ظاهره الصحة ، فإن رواته أئمة حفاظ ثقات ، لذلك صححه جماعة من أهل العلم كالنووي في "المجموع" (5/320) ، وابن كثير في "إرشاد الفقيه" (1/241) ، والبوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/289) ، والشوكاني في "نيل الأوطار" (4/148) ، والشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند (11/126) ، والألباني في "أحكام الجنائز" (ص/210) ، وكذا محققو مسند أحمد (11/505) وغيرهم .
غير أن في الحديث علة خفية
⛔⛔
⏪علة كالشمس أصبحت خفية:
ومما يلفت النظر أنني لم أجد أحدا من أهل الحديث ، أو غيرهم ، لا في القديم ، ولا في الحديث – حسب اطلاعي وبحثي - أعل هذا الحديث بعنعنة هشيم ، وهي علة ظاهرة ، يعرفها صغار طلبة علم الحديث .
فهل يحق لقائل أن يقول : أن هذه العلة في هذا الحديث خفيت على من صحح حديث جرير من العلماء ، فلا غرابة أن يأتي من بعدهم من يظهرها ويعل الحديث بها ؟!⏩
⛔⛔
قال المضعف:
بينها الحفاظ والنقاد ، هي تدليس هشيم بن بشير ، فإنه على ثقته كان كثير التدليس والإرسال ، وأحيانا عن الضعفاء والمجاهيل .
يقول الحافظ الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (1/249) : " لا نزاع في أنه كان من الحفاظ الثقات ، إلا أنه كثير التدليس ، فقد روى عن جماعة لم يسمع منهم " انتهى.
ولذلك أعل بعض الحفاظ المتقدمين حديث جرير هذا بتدليس هشيم فيه :
قال أبو داود : " ذَكَرْتُ لِأَحْمَدَ حَدِيثَ هُشَيْمٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ جَرِيرٍ: " كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ لَهُمْ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ".
قال : زعموا أنه سمعه من شريك ، قَالَ أَحْمَدُ: وَمَا أُرَى لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلاً".
انتهى من "مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني" (ص: 388).
وجاء في "العلل" (13/462) للدارقطني ما يشعر باحتمال تدليس هشيم له .
فإن كان المدلَّس هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي فهي رواية ضعيفة ، فإنه ضعيف الحديث عند عامة المحدثين ، ومثله لا يقبل تفرده بحديث ينبني عليه حكم شرعي بالتحليل أو التحريم .
نعم، تابعه نصر بن باب كما في مسند أحمد (6905) غير أن نصراً هذا جاء في ترجمته في "تعجيل المنفعة" (ص/420) : " قال البخاري : يرمونه بالكذب ، وقال ابن معين : ليس حديثه بشيء ، وقال علي بن المديني : رميتُ حديثه ، وقال أبو حاتم الرازي : متروك الحديث ، وقال أبو خيثمة زهير بن حرب : كذاب ". انتهى.
فلا تقوى متابعته على تحسين رواية شريك ، بل هناك احتمال قوي بأن المدلَّس في رواية هشيم هو نصر بن باب نفسه وليس شريكاً .
⛔⛔
⏪
توثيق نصر بن باب:
ونصر بن باب وثقه الإمام أحمد ، وروى عنه في المسند غير ما حديث ، ونقل عنه توثيقه ذلك الحافظ الهيثمي – رحمه الله – [ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ( 3 / 396 ) ] ، والحافظ ابن حجر العسقلاني – رحمه الله – [ لسان الميزان ( 6 / 151 ) ] .
قلت : وذهب إلى توثيقه من المتأخرين ابن مفلح – رحمه الله – وهو ما يفهم من قوله : ( ولأحمد وغيره – وإسناده ثقات – عن جرير ... ) الفروع ( 3/408/ ط مؤسسة الرسالة ، ودار المؤيد ) .
وقال الشيخ أحمد شاكر – رحمه الله – : ( اختلفوا فيه ، حتى رماه بعضهم بالكذب ، ... ولسان الميزان 6: 151 عن أحمد أنه قال : " ما كان به بأس " . وفي اللسان عن تاريخ نيسابور عن أحمد قال : " هو ثقة " وسيأتي في المسند 14382 قول عبد الله بن أحمد : " قلت لأبي : سمعت أبا خيثمة يقول : نصر بن باب كذاب ؟ فقال : أستغفر الله ! كذاب ! إنما عابوا عليه أنه حدث عن إبراهيم الصائغ ، وإبراهيم الصائغ من أهل بلده ، فلا ينكر أن يكون سمع منه " ، وأحمد يتحرى شيوخه ، وهو بهم عارف ، فلذلك رجحنا توثيقه . ) [ المسند ( 3/192/ رقم 1749 ) ] .
رد الإمام أحمد على من اتهم نصر بن باب بالكذب :
ـ قال عبد الله بن الإمام أحمد : (سألت أبي عن نصر بن باب فقال إنما أنكر الناس عليه حين حدث عن إبراهيم الصائغ وما كان به بأس قلت له إن أبا خيثمة قال نصر بن باب كذاب قال ما أجترىء على هذا أن أقوله أستغفر الله ) العلل (3/301) .
ـ وعبد الله بن احمد بن حنبل قال قلت لأبي سمعت أبا خيثمة يقول نصر بن باب كذاب فقال استغفر الله كذاب إنما عابوا عليه أنه حدث عن إبراهيم الصائغ وإبراهيم من أهل بلده ولا ينكر أن يكون سمع منه ) تاريخ بغداد ( 13 / 279) .⏩
⛔⛔
⛔⛔
⏪
متابعات غير نصر بن باب:
وليس نصر بن باب فقط تابع بل تابعه أيضاً
وتابع هشيما أيضا عباد بن العوام ( ثقة ) عن إسماعيل بن أبي خالد به وهي عند الطبراني [ المعجم الكبير : 2/307/ رقم 2278 ] بإسناد صحيح غير أن متنه فيه اختلاف ولفظه عند الطبراني : قال جرير بن عبد الله : ( يعددون الميت أو قال أهل الميت بعدما يدفن ؟ شك إسماعيل .
قلت : نعم قال : كنا نعدها النياحة ) .
وذكر هذه المتابعة الدارقطني في العلل ( 4/ ق 139 بترقيم ) ⏩
⛔⛔
⛔⛔
⏪
توجيه كلام الإمام أحمد:
الظاهر من سياق الكلام أن الإمام أحمد أراد بقوله : (وما أرى لهذا الحديث أصلا ) أي من حديث شريك وذلك لما يلي :
1- أن الحديث فعلا ليس له أصل من حديث شريك ، أشار إلى ذلك الإمام أبو داود في قوله ( زعموا ) وسيأتي في الجواب عن كلام الحافظ الدارقطني – رحمه الله – إن شاء الله – أن الراوي الذي زاد شريكا في الإسناد راو كذاب يزيد في الأسانيد كما نص على ذلك الأئمة .
2- أن الإمام أحمد أخرج الحديث في مسنده وعزاه له جمع من العلماء فكيف يقول لا أصل له ويخرجه في مسنده ؟!
ولست أعني أنه لا يوجد في مسند الإمام أحمد ما لا أصل له ؛ لأنه لا قبل لي بذلك ، وإنما ذلك للجهابذة من أهل هذا الفن .
قال السيوطي – رحمه الله - : ( وقال شيخ الإسلام في كتابه تعجيل المنفعة : في رجال الأربعة : ليس في المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة ، منها حديث عبد الرحمن بن عوف ، أنه يدخل الجنة زحفا قال : والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهوا ، أو ضرب وكتب من تحت الضرب ) [ تدريب الراوي :1/ 188/ ط مكتبة الكوثر ، ط دار الكتب العلمية : 1 / 173]
3- أن هذا الحديث لم يذكر ضمن الأحاديث التي انتقدت في مسند الإمام أحمد – رحمه الله – .
4- أن من بين العلماء الذين صححوا الأثر ، واستدلوا به جمع من علماء الحنابلة ، وعزاه بعضهم إلى مسند الإمام أحمد – رحمه الله – ، دون أي تردد أو تشكيك كمجد الدين ابن تيمية ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن مفلح ، والمنبجي – رحمهم الله – ، وغيرهم من متأخري الحنابلة ؛ فمن المستبعد أن يكون إنكار الإمام أحمد – رحمه الله – لأصل الحديث ، ولا تجد من ينقل كلامه عند الكلام على هذا الحديث ؟! ⏩
⛔⛔
قال المضعف:
والخلاصة : أن قول جرير بن عبد الله البجلي لم يثبت من طريق صحيح ، والرواية المشهورة معلة بالتدليس ، وللاستزادة ينظر كتاب : " التجلية لحكم الجلوس للتعزية" للشيخ ظافر آل جبعان صـ 27 .
⛔⛔⛔⛔⛔
بعد خلاصة آل جبعان
⏪هناك شواهد لم يذكرها
شاهد من حديث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - :
ـ (حدثنا أسلم قال ثنا عبد الحميد قال أنا يزيد بن هارون قال أنا عمر أبو حفص الصيرفي وكان ثقة قال ثنا سيار أبو الحكم قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كنا نعد الاجتماع عند أهل الميت بعد ما يدفن من النياحة ) تاريخ واسط ص126 .
قلت : هذا إسناد صحيح إلا أن سيارا لم يدرك عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - ، وعليه فالإسناد منقطع ، وهو صالح في الشواهد والمتابعات .
وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة – رحمه الله – قال : ( حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن طلحة قال قدم جرير على عمر فقال هل يناح قبلكم على الميت قال لا قال فهل تجتمع النساء عندكم على الميت ويطعم الطعام قال نعم فقال تلك النياحة ) المصنف (2/487) .
قلت : وهذا إسناد صحيح أيضا ، إلا أن طلحة وهو ابن مصرف لم يدرك جرير بن عبد الله البجلي – رضي الله عنه - ، وعليه فالإسناد منقطع ، وهو صالح في الشواهد والمتابعات ⏩
انتقاها أبو محمد
رماح القحطاني من تخريج أبو أنس الفايد مليحان بن مرهج بن مليحان العوني الأثري .
للتخريج كاملا اضغط هنا
تعليقات
إرسال تعليق