التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدليل والشاهد ببدعة التكبير الجماعي بصوت واحد

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين
أما بعد :
فقد رأيت لأحد الإخوة كلاماً عن التكبير الجماعي متداولا بينهم عبر الوسائل التواصل الإجتماعي.

 وكاتب البحث يرجح فيه بأن التكبير بالصوت الواحد جائز ولا ينبغي الإنكار على من فعله وأنه من اتباع خطوات الشيطان وذكر كلام لأهل العلم مطلق يستدلهم لا بهم وكذلك لايفيد ما ذهب إليه فقال عفا الله عني وعنه:

(في التكبير الجماعي في العيدين:

اعلم أن النصوص جاءت مطلقة باستحباب التكبير كقوله "ولتكبروا الله على ما هداكم" ولم تتعرض لصفة التكبير هل هو في جماعة أم في انفراد.
والدليل يحتمل الأمرين وهذا ما فهمه الأئمة الكبار كمالك والشافعي كما سترى بل كونه جماعة هو الاحتمال الأقرب)
قلت:
اعتقد أنه في فهمه هو وليس في فهم الأئمة رحمهم الله
ثم قال وفقه الله لكل خير:
(فإن قال قائل: ما الدليل على التكبير الجماعي؟
فالجواب بأن يقال له: وما الدليل على التكبير الفرادي!)
قلت:
الذي يظهر من إلزامه هذا أنه لم يفرق بين التكبير الجماعي باختلاف أحوالهم وصيغهم في التكبير ولا التكبير بصوت واحد لذلك أتى بالإلزام على فهمه ولا يلزم وسيأتي لماذا لا يلزم.

قال وفقني الله وإياه:
(وقد نص غير واحد من الأئمة على جواز التكبير جماعة وفرادى والأمر فيه سعة )

وهذا بناءا على ما سبق من فهمه حفظه الله وسدده.
ثم قال:
( قال الإمام مالك رحمه الله: الأمر عندنا أن التكبير في أيام التشريق دبر الصلوات وأول ذلك تكبير الإمام والناس معه دبر صلاة الظهر من يوم النحر وآخر ذلك تكبير الإمام والناس معه دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ثم يقطع التكبير)

وقول الإمام مالك رحمه الله (معه) لا يلزم كونه بصوت واحد

(وقال الإمام الشافعي كما في الأم:
وأحب إظهار التكبير جماعة وفرادى في ليلة الفطر وليلة النحر مقيمين وسفرا في منازلهم ومساجدهم وأسواقهم ويغدون إذا صلوا الصبح ليأخذوا مجالسهم وينتظرون الصلاة ويكبرون بعد الغدو حتى يخرج الإمام إلى الصلاة)

قلت:

وكلام الإمام الشافعي رحمه الله مطلق فيكبر الناس على أحوالهم المقيم والمسافر في المنزل والمسجد والأسواق فكلا يكبر على حاله قال الجويني في نهاية المطلب ٢/٦١٣:"ثم الناس يصبحون مكبرين، حيث كانوا، وفي الطرق، رافعي أصواتهم، هكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم"
مكبرين بصيغة الجمع لا يعني بصوت واحد وهذا مفهوم كلام الجويني وهو مفهوم كلام الإمام الشافعي رحمه الله.

(وقال أيضا: يكبر الناس في الفطر ، حين تغيب الشمس ليلة الفطر ، فرادى وجماعة ، في كل حال حتى يخرج الإمام لصلاة العيد ، ثم يقطعون التكبير)

قلت:

وتكبير الإمام هنا لتنبيه الناس فيكبروا ولا يلزم منه أن يكون بصوت واحد بطريقة واحدة.

(قال: وأحب أن يكون الإمام يكبر خلف صلاة المغرب والعشاء والصبح ، وبين ذلك ، وغاديا ، حتى ينتهي إلى المصلى ، ثم يقطع التكبير .أهـ.
وفي صحيح البخاري أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يكبر فيكبر الناس بتكبيره حتى ترتج منى تكبيرا.)

قلت:

كان الصحابة رضي الله عنهم يكبرون في منى وعرفات وكانت صيغ التكبير مختلفة وكذلك كانت صيغ التلبية مختلف وصيغ التهليل مختلفة ولم يكونو يفعلوها بصوت واحد لذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما:( غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر ) وفي رواية : ( يهلل المهلل فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه )

فهذا دليل على اجتماعهم على التهليل والتلبية والتكبير والتحميد واختلاف صيغهم يفيد عدم الإجتماع بصوت واحد ومع ذلك كانوا مجتمعين وهذا ما أراده ابن حجر في الكلام الذي نقله حيث
قال عفا الله عني وعنه:
(قال ابن حجر: وهو مبالغة في اجتماع رفع الصوت)
قلت:
فكان يميز هذا عن هذا فيسمع هذا بأنه يلبي ويسمع هذا بأنه يكبر ويسمع هذا بأنه يهلل لرفعهم لأصواتهم وهذا كما تقدم حينما ذكرت أنه لا يلزم بأن يكونوا بصوت واحد.

قال عفا الله عني وعنه:
(فالحاصل أنه لا ينبغي الإنكار على من كبر جماعة أو فرادى فالأمر فيه واسع وليسعنا ما وسع أئمة الهدى)

التكبير الجماعي من غير اتباع صوت واحد لا ينبغي الإنكار عليه بل هو من السنة وأما إذا توافقت الأصوات من غير قصد فلا حرج وأما ما كان بقصد فهات الدليل
وأما الدليل أنهم لم يكونوا بصوت واحد فأثر ابن عمر رضي الله عنهما كافي وتقدم.

ثم قال سددني الله للحق وإياه:
(وقد ترتب على ترك التكبير جماعة ترك التكبير بالكلية كما هو مشاهد في بعض المساجد ربما لتعذر التكبير فرادى مع رفع الأصوات وذلك للتشويش وربما قالوا: ترك سنة (وهو التكبير) أهون من فعل بدعة (وهو التكبير في جماعة) وهذا من الجهل ومن خطوات الشيطان الذي يسعى لطمس شعائر الدين ومن ذلك التكبير الذي أمر الله به "ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم") اهـ.

أعلم أخي الكريم وفقني الله وإياك لكل خير:
أن العمومات والمطلقات لا تصح دليلاً على الصفات المخصوصات والمقيدات
قال الشاطبي رحمه الله في الإعتصام١/٣١٨:
(فإن أتى به المكلف فِي ذلك الأمر بكيفية مخصوصة أو زمان مخصوص أو مقارناً لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار مُتخيلاً أن الكيفية أو الزمان أو المكان مقصود شرعاً من غير أن يدل الدليل عليه: كان الدليل بمعزل عن هذا المعنى المستدل عليه).
ثم قال بعد ذلك رحمه:
(فإذا ندب الشرع مثلا إلى ذكر الله، فالتزم قوم الاجتماع عليه على لسان واحد وبصوت، أو في وقت معلوم مخصوص عن سائر الأوقات؛ لم يكن في ندب الشرع ما يدل على هذا التخصيص الملتزم، بل فيه ما يدل على خلافه؛ لأن التزام الأمور غير اللازمة شرعا شأنها أن تفهم التشريع، وخصوصا مع من يقتدى به في مجامع الناس كالمساجد؛ فإنها إذا ظهرت هذا الإظهار ووضعت في المساجد كسائر الشعائر التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المساجد وما أشبهها كالأذان وصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف ، فهم منها بلا شك أنها سنن، إذا لم تفهم منها الفرضية، فأحرى أن لا يتناولها الدليل المستدل به، فصارت من هذه الجهة بدعا محدثة بذلك)

فيتنبه لذلك ولماذا حكم العلماء بأن التكبير والإجتماع عليه بصوت واحد بدعة وذلك بزيادة صفة أو بتقيد الذكر بصفة وهي الصوت الواحد
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى ٢٠/١٩٦:
( فصل قاعدة شرعية : شرع الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعا بوصف الخصوص والتقييد ،فإن العام والمطلق لا يدل على ما يختص بعض أفراده ويقيد بعضها فلا يقتضي أن يكون ذلك الخصوص والتقييد مشروعا ،ولا مأمورا به فإن كان في الأدلة ما يكره ذلك الخصوص والتقييد كره وإن كان فيها ما يقتضي استحبابه استحب وإلا بقي غير مستحب ولا مكروه)
لذلك حكم ابن الحاج المالكي رحمه الله أن هذا الفعل بدعة فقال في المدخل ٢/٢٩٠ :
(وقد مضت السنة أن أهل الآفاق يكبرون دبر كل صلاة من الصلوات الخمس في أيام إقامة الحج بمنى فإذا سلم الإمام من صلاة الفرض في تلك الأيام كبر ،تكبيرا يسمع نفسه ومن يليه وكبر الحاضرون بتكبيره كل واحد يكبر لنفسه ولا يمشي على صوت غيره على ما وصف من أنه يسمع نفسه ومن يليه فهذه هي السنة، وأما ما يفعله بعض الناس اليوم من أنه إذا سلم الإمام من صلاته كبر المؤذنون على صوت واحد على ما يعلم من زعقاتهم في المآذن ويطيلون فيه والناس يستمعون إليهم ولا يكبرون في الغالب وإن كبر أحد منهم فهو يمشي على أصواتهم وذلك كله من البدع إذ إنه لم ينقل أن النبي ﷺ فعله ولا أحد من الخلفاء الراشدين بعده. وفيه إخراق حرمة المسجد برفع الأصوات فيه والتشويش على من به من المصلين والتالين والذاكرين)

وأضف إلى ذلك إذا كان فيه تشبه بالنصارى من عدة جهات:
-أولا من حيث الترنيم فهذه تشبه ترانيم النصارى وتطريباتهم وخاصة في وقتنا هذا من حيث يمسك أحدهم لاقط الصوت ويطرب فيه ويتبعه الناس بنفس صوته
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال لمؤذن : إني أبغضك في الله ؛ إنك تبغي في أذانك .
يشير إلى أنه يتجاوز الحد المشروع بتمطيطه والتطريب فيه .
وفي رواية : أنه قال : إنك تختال في أذانك .
كأنه يشير إلى التفخيم في صوته والتشادق والتكبر .
وقال أحمد في التطريب في الأذان : هو محدث .

-ثانيا أن التكبير بصوت واحد والذكر بصوت واحد من عمل النصارى ومن اختصاص عباداتهم والقاعدة  "كل ما كان من خصائص الكفار الدينية، والعادية فإنه يحرم التشبه بهم فيه مطلقاً دون التفات إلى القصد"

وإذا رأينا النصارى في كنائسهم على اختلاف مذاهبهم نجدهم أنهم اتفقوا على الترنيم بصوت واحد.

وقد نهى نبينا ﷺ عن التشبه بالكفار في عدة أحاديث :
فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ) رواه أبو داود (4031) .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه : ( أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا ، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ).. إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ ، فَقَالُوا : مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ ) رواه مسلم (302) .

فالخير بإبقاء ما كان على ما كان وترك السبل والمشتبهات وعدم الإستعجال بالحكم بأنها من الشيطان استدراجا وخطوات بل معرفة قواعد الدين والمقاصد ليتضح الطريق لكل عابد

والله أعلم

قيده أبو محمد
رماح بن محمد القحطاني


تعليقات

  1. إلى الأمام أخي رماح ونفع الله بكم

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تخريج حديث من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَن أرادَ أن ينصحَ لذي سلطان في أمرٍ فلا يُبدِهِ علانية ولَكِن ليأخذْ بيدِهِ فيَخلوَ بهِ فإن قبِلَ منهُ فذاكَ وإلَّا كانَ قد أدَّى الَّذي علَيهِ لَهُ " قال العلامة الألباني في تخريج السنة لأبي عاصم ٥٢١/٢: ١٠٩٦ -حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية حدثنا صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد قال: قال عياض بن غنم لهشام بن حكيم ألم تسمع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية ولكن يأخذ بيده فيخلوا به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه". ١٠٩٦- إسناده صحيح ورجاله ثقات وبقية مدلس وقد صرح بالتحديث وقد توبع كما يأتي وفي سماع شريح من عياض وهشام نظر كما يأتي عن الهيثمي. والحديث أخرجه أحمد ٣/٤٠٣-٤٠٤: ثنا أبو المغيرة ثنا صفوان حدثني شريح بن عبيد الحضرمي وغيره قال: فذكره وفيه قصة جرت بين عياض بن غنم وهشام بن حكيم وكلاهما صحابي وقال الهيثمي في المجمع ٥/٢٢٩: رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أني لم أجد لشريح من عياض وهشام سماعا وإن كان تابعيا قلت: وإنما أبدى الهيثمي هذا التحفظ مع أن شريحا قد سمع من معاوية بن أبي سفيان ك...

لحم الحمير والكلاب جائز عند الخوارج الإباضية..؟!

🖊كشكول النقول📓: لحم الحمير والكلاب جائز عند الخوارج الإباضية..؟! اصطحبت في أحد أسفاري رحلة ابن بطوطة وقد اطلعت عليها كلها ولله الحمد و وقفت على خبر سلطنة عمان فذكر عنهم أك...

الرد على من ضعف أثر جرير رضي الله عنه في الجلوس للتعزية

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين أما بعد؛ فقد اطلعني أحد الأخوة على بحث بحث فيه محاولة لتضعيف حديث جرير رضي الله عنه في الجلوس للتعزية فشمرت في الرد عليه ولكن وقفت على بحث لأخينا أبو أنس مليحان العوني وهذا البحث وجدت قد كفا و وفا ولخصته وركبته على الرد فما كان بين قوسين⏪⏩ فهو من كلام أبو أنس بتصرف يسير وما سواه فهو من كلام المضعف يقول المضعف: الراجح فيه أنه ضعيف ، فقد أعله الإمام أحمد ، والدراقطني. فهذا الاثر رواه أحمد بن منيع في "مسنده" ، وابن ماجه في "السنن" (1612) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (2/307) من طريق هُشيم عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس ، عن جرير به . وهذا سند ظاهره الصحة ، فإن رواته أئمة حفاظ ثقات ، لذلك صححه جماعة من أهل العلم كالنووي في "المجموع" (5/320) ، وابن كثير في "إرشاد الفقيه" (1/241) ، والبوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/289) ، والشوكاني في "نيل الأوطار" (4/148) ، والشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند (11/126) ، والألباني في "أحكام الجنائز" (ص/210) ، وك...